Home Page > أقلام

Sun, 11 Oct 2009 05:15:00

نوبل النبوغ المبكر

ساطع نور الدين

 

كما في نوبل الآداب، كذلك في نوبل السلام، كان الفائزان هذه السنة بمثابة مهرب من منح الجائزة لمن يستحقها فعلا، ولمن يمكن ان يكون فوزه مثارا لمشكلة ادبية وسياسية في آن معا.

في جائزة الادب، كان يبدو ان ثمة صراعا خفيا يدور داخل لجنة نوبل بين اختيار احد الاسمين العربيين المرشحين وهما الكاتب والمفكر السوري المرموق ادونيس والكاتبة الجزائرية المتألقة آسيا جبار، وبين اختيار الكاتب الاسرائيلي البارز عاموس عوز. والارجح انها دخلت في حسابات سياسية اكثر من الاعتبارات الادبية. وقررت في النهاية ان تقف على الحياد في ذلك التنافس العربي الاسرائيلي، ووقع اختيارها على اسم ثالث لا يثير الجدل، وينتمي الى التقاليد القديمة للجنة التي كانت احدى ادوات المواجهة الفكرية بين الشرق الشيوعي والغرب الليبرالي ايام الاتحاد السوفياتي.

ليس هناك تفسير آخر لمنح جائزة الادب هذا العام الى الكاتبة الالمانية الرومانية الاصل هيرتا مولر التي لا تحسب بين كبار ادباء العالم المعاصر، ولا يحفظ سجلها الادبي سوى معركتها السياسية مع دكتاتور رومانيا السابق نيقولاي تشاوشيسكو، وهي معركة كانت عابرة وهامشية في التاريخ الاوروبي، وهي باتت من الماضي البعيد الذي لا يمكن استحضاره بأي جائزة ولا بأي عمل ابداعي، ولا يمكن ان يمس اي حساسية ادبية، حتى بالنسبة الى الألمان انفسهم الذين ابدوا تحفظهم عن تكريم احدى الكاتبات بلغتهم.

في نوبل السلام، كان اختيار الرئيس الاميركي باراك اوباما مثيرا للدهشة، بل والسخرية ايضا، لكنه كان ايضا مدعاة للسؤال الاهم عن المرشحين الآخرين الذين استبعدتهم اللجنة، وعن سبب اسقاطهم من اللائحة. والاسماء التي تبقى سرية في العادة ولا يكشف عنها الا بعد مرور خمسين سنة، سُربت من قبل الدول او الجهات التي رشحتها، ما زاد من حجم الفضيحة التي ارتكبتها اللجنة، عندما كان همها الاول ان تتفادى الحرج او الجدل السياسي.

ليس هناك منطق لما اعلنته اللجنة عن سبب اختيارها اوباما الذي رشح في الاول من شباط الماضي، اي بعد اقل من اسبوعين على تسلمه الرئاسة: هو موقف بمفعول رجعي من سلفه الرئيس جورج بوش، الذي هز الامن والسلم العالميين بحروبه العسكرية وحملاته السياسية، وهو موقف بمفعول مسبق من الرئيس الاميركي الحالي الذي يبدو للجمهور في مختلف انحاء العالم انه يتمتع بنبوغ مبكر، مع ان الواقع الدولي لا يشهد حتى الآن على مثل هذه الميزة، ومع ان العالم الاسلامي لا يستطيع ان يقدم مثل هذه الشهادة بأوباما... وإن كان هناك كثيرون ـ وبينهم لجنة نوبل نفسها ـ يصرون على التفاؤل بالرجل وعلى الحاجة الى تشجيعه على المضي قدما في جدول اعمال لا يختلف في الجوهر عن جدول اعمال بوش، بل في الشكل فقط.

ليست المرة الاولى التي تعتمد لجان نوبل السويدية والنروجية معايير سياسية مزدوجة، لكنها المرة الاولى ربما التي تبدو قراراتها سطحية الى هذا الحد.

 

 
 

جميع الحقوق محفوظة "

لا مانع من الاقتباس واعادة النشرشريطة ذكر المصدر