يُعَدّ تاريخ 30 حزيران/ يونيو الماضي، أحد أهم التواريخ التي عاشها عراق مع بعد صدام حسين، إذ إنه شهد أولى جولات تراخيص تطوير حقول نفط وغاز العراق، وهو القطاع الأهم للاقتصاد العراقي، والمعرَّض بأن يصبح بأيدي الشركات الاحتكارية الأجنبية. في هذا المقال، يفنّد الخبير النفطي العراقي منير الجلبي السياسات النفطية التي مارستها حكومة بغداد
في 30 حزيران/ يونيو 2009، أُعلنت جولة التراخيص الأولى لتطوير حقول نفط وغاز العراق، وشملت الجولة اثنين من حقول الغاز وستة من حقول النفط العملاقة، وذلك لتوفير المزيد من الإنتاج بقدرة 1.5 مليون برميل يومياً في غضون ثلاث إلى أربع سنوات، وباستثمارات تُقدَّر بـ 15 مليار دولار (1). وحقول النفط المعروضة هي: حقلا الرميلة الشمالية والجنوبية، والزبير والقرنة الغربية (المرحلة 1 من حقول النفط في البصرة)، وميسان، وهو من حقول النفط في العمارة، وكركوك وباي حسن من حقول النفط في الشمال كان مخطَّطاً لها أن يتم تطويرها بواسطة «شركة النفط الوطنية العراقية» كما هو مبيّن في الملحق 1 من مشروع قانون النفط والغاز المؤرخ في شباط/ فبراير 2007. وقد دعي للمشاركة في المناقصات 35 من شركات النفط الدولية (IOCs)، ولم تقدّم أكثر من 22 شركة عروضاً للمشاركة.
وفي 30 حزيران/ يونيو 2009، تقدمت وزارة النفط الاتحادية في بغداد بعرض مزاد علني على شركات النفط العالمية، في إطار ما يُسمّى عقود الخدمات التقنية (TSCS) النافذة لمدة 20 عاماً، وتشمل 2 من حقول الغاز وستة من حقول النفط العملاقة التي تنتج نحو 80 في المئة من مجموع الـ 2.4 مليون برميل من النفط الذي ينتجه العراق قي اليوم الواحد حالياً. ومع ذلك، لم تتمكن الوزارة من الحصول على أكثر من اتفاق لحقل واحد فقط يشمل الرميلة الذي يتكون من اثنين من الحقول، وهما شمال وجنوب الرميلة في جنوب العراق. وبذلك، توصلت وزارة النفط العراقية إلى اتفاق مع شركة «بريتش بتروليوم» البريطانية (BP) وشركة البترول الوطنية الصينية (CNCP) لزيادة الإنتاج الحالي في الحقلين بمقدار 1.9 مليون برميل يومياً. ويُعدّ حقلا الرميلة من أكبر حقول النفط في العراق ويُقدَّر احتياطهما النفطي المثبت بـ 18 مليار برميل من احتياطات النفط، وهو احتياط يعادل أكثر من نصف الاحتياط الكامل للولايات المتحدة.
ولكن، من أجل أن نكون قادرين على تحليل عادل لوجهات النظر المختلفة حول جولة التراخيص الأولى، من المهم أن ننظر إلى آراء كل من المعارضين والداعمين لها.
أولاً، سنتطرق إلى آراء الناس الذين هم على أرض الواقع، والذين سيكونون الأكثر تضرراً نتيجة هذا المزاد وما كانوا يقولونه منذ الإعلان عنها في 30 حزيران/ يونيو 2009.
حتى الآن، كانت هناك بعض الرسائل الواضحة جداً، من العاملين على الأرض والمعارضين للجولة الأولى من جميع المستويات، بما في ذلك كل من الإدارة السابقة والحالية، وخبراء في مجال النفط، وممثلي نقابة عمال النفط (IFOU) الذين يمثلون اللاعبين الرئيسيين في شركة نفط الجنوب (2).
وتشمل هذه البيانات، البيان الصادر عن نقابة عمال النفط (3) IFOU، وبيان عن المدير العام الحالي لشركة نفط الجنوب، السيد فياض حسن نعمة (4)، الذي عُيّن أخيراً من قبل وزارة النفط في بغداد، وأكد موقفه المعارض، مشيراً إلى أنه يحظى بدعم من الغالبية الساحقة من شركة نفط الجنوب من التكنوقراط العاملين في حقول النفط والمهندسين والخبراء.
يريد الوزير الشهرستاني أن تُتَّخَذ القرارات النفطية اتحادياً، بعكس رغبة حكومة كردستان
وبالإضافة إلى ذلك، صدر بيان عن المدير العام السابق لشركة نفط الجنوب السيد عبد الجبار اللويبي (5)، الذي كان يحظى باحترام كبير وهو كان المدير العام لشركة نفط الجنوب قبل أن تقيله وزارة النفط في أوائل عام 2008، والإقالة هذه يفترض أنها كانت عملية «ترفيع» له ليصبح مستشاراً لوزير النفط في بغداد.
ولكن، هناك من يتبنّى نقيض هذه الآراء ضمن إطار عدد من خبراء النفط العراقيين والفنيين، بمن فيهم بعض الذين يعملون في الوزارة في بغداد، والذين خرجوا لدعم وزير النفط الاتحادي الدكتور الشهرستاني (6).
ولم تستند هذه المصادر إلى وجهات النظر المؤيدة بصورة مباشرة إلى جولة التراخيص الأولى، ولكن إلى حد كبير، استندت إلى دعم الوزير ضد حملة قوية ومنسقة من تحالف غير مقدس ضد الشهرستاني. وقاد هذه الحملة الحزبان السياسيان الرئيسيان في حكومة إقليم كردستان (الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة كل من الرئيسين مسعود البرزاني وجلال الطالباني) ووزارة نفط الإقليم. وإلى جانبهما، وقفت حركات سياسية وعدد من السياسيين من داخل «جبهة المعتدلين» مثل نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي، ووزير المال الاتحادي، وهما من «المجلس الإسلامي الأعلى» في العراق، وذلك بدعم من شركات النفط العالمية وحكومة إقليم كردستان وISCI ومؤيديهم في البرلمان الاتحادي الذين يعملون معاً للتخلص من الدكتور الشهرستاني وإبداله بالرجل المفضّل لديهم، المستشار النفطي لرئيس الوزراء، السيد ثامر الغضبان.
ومما لا شك فيه أن السيد وزير النفط له سياسات إيجابية يدعمها العديد من الخبراء والمحللين المعارضين لسياسات خصخصة النفط العراقي والذين يعارضون في الوقت نفسه موقفه بشأن جولة التراخيص الأولى.
وتشمل أولى السياسات الإيجابية، مساعيه من أجل أن تكون وزارة النفط الاتحادية المركز المسؤول عن التخطيط الاستراتيجي لتطوير موارد النفط والغاز، بحيث تُتَّخَذ القرارات وتنفَّذ على مستوى الوزارة الاتحادية، ولكن مع مشاركة من المناطق والمحافظات، وهذا ما تعارضه حكومة إقليم كردستان التي تريد أن يتم التخطيط الاستراتيجي الذي يتعين القيام به على الصعيد الإقليمي، لا المركزي.
ثانياً، لقد عمل الوزير على إرساء سياسة معارضة لسياسات حكومة إقليم كردستان في مسعاها للاعتماد الكامل على الدخول فقط في مشاريع المشاركة في الإنتاج PSCS مع شركات النفط العالمية. وتلبي هذه المشاريع، جميع مصالح هذه الشركات الاحتكارية على حساب المشروع الوطني، وسبق لي أن حلّلت هذه المواقف بشيء من التفصيل في تقريري السابق، وهذه الاستنتاجات السابقة لا تزال سارية. (7)
لكن من جهة أخرى، يجب أن ننظر إلى الجوانب السلبية من سياسات السيد وزير النفط والتي تشمل:
أولاً وقبل كل شيء، إنه في مرحلة الأشهر الـ 18 الأولى من تعيينه في منصبه في عام 2006، كان الوزير يسير بخطى حثيثة في تطبيق سياسات الخصخصة لعدد كبير من مشاريع وحقول النفط والغاز العملاقة والمؤمَّمة، وتسليم السيطرة عليها إلى شركات النفط العالمية الكبرى، وما الإصدارات العديدة لمسودات قانون النفط والغاز سوى دليل على ذلك. لقد كانت جميع هذه المسودات تثبت مبدأ خصخصة الموارد الطبيعية المؤمَّمة، لكنها كانت تختلف فقط في ما بينها في مستوى نسبة عمليات الخصخصة.
إن مسودة القانون المؤرخة في شباط/ فبراير 2007 لا تزال مطروحة على الطاولة بحسب الخطة الاستراتيجية للخصخصة للمدى الطويل. وإذا وافق عليها البرلمان الاتحادي، فسوف يؤدي ذلك إلى عودة شركات النفط الاحتكارية العالمية إلى العراق للسيطرة على موارد النفط والغاز الوطنية (8).
ثانياً، لقد رفض الشهرستاني الاعتراف بنقابة عمال النفط، IFOU المنتخبة كممثل لعمال النفط والغاز في قطاع صناعة البترول والغاز، وأصرّ على المضيّ في السير بسياسات حزب البعث وقانون عام 1987، وهو القانون الذي ألغى جميع نقابات العمال في العراق.
رئيس شركة نفط الشمال مانع العبيدي (أ ف ب)وعلاوة على ذلك، فخلال العامين الماضيين، سمعنا العديد من التصريحات المتضاربة من جانب السيد وزير النفط بشأن عدة قضايا. وأهمها دعمه الكامل في المرحلة الأولى لعقود المشاركة في الإنتاج مع الشركات العالمية الاحتكارية، ثم تصريحات رافضة لها في مرحلة لاحقة، لتنقلب إلى القبول بالبعض منها فقط وتشمل حقولاً معينة. لقد أصبح من المستحيل معرفة نياته الحقيقية من العديد من البيانات في مختلف الصحف والمقابلات التي أجراها على عدة محطات تلفزيونية. والدلالة الحقيقية لإثبات النيات تظهر من خلال العقود التي وقّعتها وزارته في الفترة الماضية. وتشمل هذه العقود عقدين أساسيَّين، أولهما يشمل اتفاق حقل الأحدب النفطي العملاق مع شركة النفط الوطنية الصينية CNOC، وهو يُعدّ تحسناً كبيراً إذا ما قورن بعقد المشاركة في الإنتاج PSC الذي وقّعته حكومة البعث مع الشركة نفسها عام 2000.
أما العقد الثاني، فهو مع شركة «شل» الذي وقّع في 22 أيلول/ سبتمبر 2008 لتشكيل المشروع المشترك بين هذه الشركة ووزارة النفط الاتحادية، والذي أعطى «شل» 25 عاماً من احتكار مجمل صناعة الغاز في جنوب العراق، وكان عملياً عبارة عن خصخصة الإنتاج لموارد الغاز في جنوب العراق.
وزير النفط حسين الشهرستاني (رويترز)من الواضح تماماً أن هناك آراء مختلفة للأطراف العراقية ضمن المعسكر الذي يعارض خصخصة موارد النفط والغاز التي يعتمدها الدكتور الشهرستاني، ولا ينبغي أن يُنظر إلى هذا الخلاف كمؤشر لانقسامات بشأن الاستراتيجيات.
ما هي المخاوف على مستقبل شركة نفط الجنوب (SOC)، وشركة نفط الشمال (NOC) وشركة النفط الوطنية العراقية (INOC) في أعقاب جوله التراخيص الأولى؟
إن المرفق رقم 1 المؤرخ في شباط/ فبراير 2007 من مسودة مشروع قانون النفط والغاز، يضع حقل نفط الرميلة الشمالية في المرتبة 19 باحتياط نفطي مقدر بـ 10.3 مليارات برميل، وجنوب الرميلة رقم 22 مع احتياط مقدّر بـ 7.5 بلايين برميل؛ وحقل الزبير بالرقم 27 مع احتياط مقدّر بـ 4 مليارات برميل؛ وحقل غرب القرنة المرحلة 1 رقم 26 مع احتياط بـ 21.5 مليار برميل (مجموعه للمرحلة 1 و2)؛ وحقل ميسان رقم 4 باحتياط 0.14 مليار برميل؛ وحقل كركوك رقم 14 باحتياط 9.8 مليارات برميل (مع الحقول الأصغر على مقربة منه)، وحقل باي حسن رقم 5 مع احتياط 2.5 مليار برميل.
يشير كل هذا إلى أن الحقول النفطية الستة التي تشملها الجولة الأولى هي ضمن حصة شركة النفط الوطنية العراقية، لأنها جميعها من حقول النفط المنتجة وهي تمثل العمود الفقري لشركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال وشركة النفط الوطنية العراقية الجديدة.
إنّ الخطر الأكبر هو أن مؤسسات إدارة الحقول (FODs) سيتم إنشاؤها بوصفها كيانات قانونية لتجنب تشكيل شركة مشتركة، وسوف توفر في الوقت نفسه دوراً كبيراً للشركات الاحتكارية العالمية IOCs في عملية صنع القرار والرقابة والإدارة وعمليات التطوير والتشغيل والسيطرة على جميع الحقول العملاقة.
ويكمن الخطر الثاني في أن جميع العاملين في شركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب سيتم إلحاقهم ضمن الشركات الجديدة FODs لفترات تتراوح بين 20 و25 سنة، ونحن نتحدث هنا عن الموظفين، فضلاً عن الأصول.
وبما أن هذه الشركات الجديدة سوف يكون لها استقلالها الإداري والمالي في هذه الفترة بحسب شروط العقد، فسيكون من الصعب أن نتصور أنهم يمكنهم أن يعودوا إلى مواقعهم الأصلية في نهاية العقد، لأن ذلك ليس ممكناً من الناحية العملية، وخبراتهم التقنية سوف تضيع إلى الأبد.
والقلق الثالث هو بشأن إدخال كل هذه الشركات الجديدة والمسماة FODS، وهو ما يعني تجزئة شركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب، والتي توظف معاً أكثر من 20،000 شخص وتنتج أكثر من 2.4 مليون برميل يومياً في ما بينها، ولديها أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في إدارة وتشغيل حقول النفط والغاز في جميع أنحاء العراق على الرغم من ظروف الحرب والحصار وانعدام الأمن.
سوف ينخفض دور هذه الشركات إلى ما لا يزيد عن دور المشرف السطحي على عمل الشركات العملاقة التى ستسيطر على حقول النفط، وستكون محدودة في إدارتها لحقول بعيدة وهامشية. تمثل شركتا نفط الجنوب ونفط الشمال المكونات الرئيسية لشركة النفط الوطنية العراقية الجديدة التي من المرتقب إعادة تأسيسها إذا ما تم تمرير القانون في البرلمان. وسيؤدي هذا التفتيت والحد من دور الشركتين إلى جعل شركة النفط الوطنية العراقية هيكلاً فارغاً تعمل كشركة مشرفة فقط، وتشرف على الشركات الأجنبية المسيطرة فعلياً على الحقول.
يدل كل هذا على تنازل كبير وتقويض الجهود الوطنية في إدارة حقول النفط وتسليمه إلى الشركات الأجنبية IOCs وهذا سيمثل نهاية مأسوية لدور شركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب وشركة النفط الوطنية العراقية التي كانت دائماً تُعدّ بمثابة الركائز الأساسية للثروة الوطنية والتي لا يمكن إهدارها.
سوف تواجه شركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب خطر فقدان هويتهما، من حيث كون كل منهما الوصية على الموارد الوطنية في العراق.
ماذا ينبغي أن تكون أولويات وزارة النفط؟
لقد حان الوقت لوزارة النفط كي تعيد التفكير بشأن أولويات مشاريعها. فقد وضعت الوزارة خططاً قصيرة وطويلة الأجل للطاقة الإنتاجية. ولكن من الواضح أن هذا ليس جزءاً من سياسة جيدة التنظيم. إنّ «الهدف الإنتاجي» ليس بسياسة في حد ذاته كما لم تكن «جولات المناقصات» المتتالية جزءاً من خطة مدروسة تربط ما بين جميع العناصر.
رَفَض الاعتراف بنقابة عمال النفط وطبّق قانون البعث 1987 الذي ألغى جميع نقابات العمال
لقد مرت العديد من الدول المنتجة للنفط بأزمات مماثلة خلال عمليات التحول عندما فتحت أبوابها أمام شركات النفط الدولية. وكان لتلك الدول التي نجحت في ذلك، مجموعة من القوانين الصارمة والحديثة التي وضعت مصالحها الوطنية كأولوية قصوى، وشكلت برامج تحدّد بوضوح أدوار ومسؤوليات كل من الشركات التابعة للدولة في مقابل الشركاء الأجانب. ولكن من الواضح أن العراق لا يفعل ذلك. ورغم جميع الصعوبات الناتجة من عدم الوصول إلى نتائج سريعة، وقد يكون ذلك مدعاة للسخط، كان من الأفضل للوزارة أن تسلك مخطّطاً لنهج تدريجي، من خلال إعطاء الأولوية لإعادة تأهيل ما هو موجود في حقول النفط المنتجة، والتركيز على العمل الذي هو في حدود قدرات الشركات الوطنية، وعند الاقتضاء القيام باستخدام شركات النفط «الأجنبية الخاصة للخدمات التقنية والوظائف الفنية»، ولمناقصة واحدة أو اثنتين من هذه المجالات في الوقت نفسه، وهذا ما من شأنه أن يعطي فرصة للتعلم وتطوير قدرة العراقيين في الوقت نفسه.
وبدلاً من ذلك، فإنّ ما نراه اليوم، وبعد 30 عاماً من الحروب والعقوبات وفترات عدم الاستقرار، هو أن الوزارة تخطّط لتوقيع عقود لفترات زمنية طويلة جداً تتراوح بين 20 و25 سنة مع شركات الاحتكار الكبرى من خلال جولات العطاءات الأولى والثانية ولحقول تحتوي على 80 مليار برميل والتي هي في حدود 75 في المئة من احتياطات العراق المثبتة، وفي غضون فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز الأشهر الستة من العام الجاري. ولم يقم أي بلد في العالم باتباع هذا السلوك (10).
وينبغي أيضاً على الوزارة إعطاء المزيد من الصلاحيات إلى إدارة شركتي نفط الجنوب ونفط الشمال وشركة نفط ميسان التي تأسست حديثاً لاتخاذ القرارات، وتعزيز الاتصالات معها والسعي إلى مساعدتها لحل المشاكل والمعوقات والعقبات التي تواجه كل واحدة منها حيثما تحدث، ولمحاولة المساعدة على تصحيح الأخطاء وإزاله العوائق.
ستكون الوزارة أكثر حكمة إن ركّزت على تطوير قدراتها الداخلية من خلال جذب دعم الخبراء العراقيين الموجودين في الخارج، والمشاركة في بناء برنامج لتدريب موظفي الوزارة وخبرائها.
كان من الأجدى على الوزارة أن تقوم مباشرة بتنفيذ العمل من خلال شركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال، وذلك بالتنسيق مع «شركات الخدمات النفطية الدولية المختصة» وليس شركات الاحتكار العالمية العملاقة، وكذلك «شركة الحفر الوطنية العراقية»، و«شركة المشاريع النفطية الوطنية العراقية» وغيرها من الشركات الوطنية.
1 ــ إنّ الاتفاقات التي تمّ اعتمادها في إطار العقود النفطية، لا تتفق مع القوانين القائمة والتشريعات المعمول بها، ولا سيما قانون «المحافظة على الموارد الهيدروكاربونية» رقم 84 لعام 1985، كما إنّه لم يُعرض على المجلس الاستشاري فى وزارة النفط، أو حصل على موافقة البرلمان الاتحادي.
2 ــ برامج العمل التي يتعيّن الاضطلاع بها من قبل الشركات العالمية خلال السنوات الثلاث الأولى من عقد يدوم 20 عاماً، هي البرامج نفسها التي يجري العمل بها حالياً والتي تقوم بها شركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال العراقية التي سبق لوزارة النفط أن أنفقت عليها 8 مليارات دولار. بالإضافة إلى ذلك، فإن برنامج عمل شركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال هما أفضل مما هو مطلوب في اتفاقيات TSCS، سواء من حيث تاريخ البدء أو تحقيق زيادة في الإنتاج لأكثر من 10 في المئة، إذ لن تكون هناك زيادة في الإنتاج لأول 33 شهراً بعد التوقيع على الاتفاق، على النحو المحدّد في الاتفاق مع الشركات الدولية.
3 ــ إن أفضل خيار لوزارة النفط هو مراجعة الشروط الواردة في الاتفاقيات TSCS لبعض الحقول في الجولة الأولى من المناقصات مع الشركات الدولية IOCS من أجل الوصول إلى مستويات الإنتاج المطلوبة، وفقاً للاتفاقيات التنافسية ولحد أقصى فترة بين سنتين إلى خمس سنوات قابلة للتجديد في المجالات التي تؤدي إلى نتائج أكثر سرعة وسهولة من دون أن تسبب أي ضرر اقتصادي.
4 ــ لقد حان الوقت لخبراء النفط والمحللين الدوليين والعراقيين الذين هم ضد خصخصة النفط والغاز العراقي للاعتراف بأن المسائل المتعلقة بمستقبل العراق واستقلاله الاقتصادي لا ينبغي أن تركز على التفكير الأحادي الجانب، ما دامت هذه العقود ليست من عقود المشاركة في الإنتاج PSC، فإنها ستكون خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى العراق، أو في أقل تقدير أنه لن ينتج ضرر منها.
وفي الواقع، فإن الاتفاق الموقع مع شركة «شل» حول غاز الجنوب أعطى شركة «شل» السيطرة الكاملة على ثروة الغاز في جنوب البلاد لمدة 25 عاماً، وعواقبه سوف تكون وخيمة بالنسبة إلى مستقبل الاقتصاد العراقي واستقلاله السياسي كما هي الحال في اتفاقيات المشاركة في الإنتاج PSC، وإن لم تكن أسوأ (1).
5- إن ما يُسمى برنامج العقود التي وقعت أو ستوقع مع شركات النفط الدولية IOCS سوف يتيح للشركات الدولية السيطرة على 80 فى المئة من حقول النفط العراقية المنتجة ولمدة 20 عاماً، وذلك من خلال سيطرتها على «مؤسسات التشغيل الحقلي» FOD’s . لم يطّلع أحد حتى الآن على الشروط المالية السرية أو تفاصيل أخرى كثيرة في العقود، وهو ما يشير إلى أن هناك نقصاً في الشفافية من قبل الوزارة. يمكن هذه العقود أن تكون ذات ضرر كبير لمستقبل صناعة البترول الوطنية كما حصل في اتفاق الغاز مع شركة «شل». وإضافة إلى ذلك، فإن كل المؤشرات الواردة من العاملين على أرض الواقع تؤكد أن هذه العقود سوف تؤدي إلى تناقص في أحجام شركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال، إن لم تؤدِّ إلى اضمحلالها التام، وسوف تواجه شركة النفط الوطنية العراقية نفس هذه المشكلة.
6 ــ لا أحد حتى الآن قد اطلع على أي مبرر من وزارة النفط للأسباب التي أدت إلى إلغائها برنامج العقود لعامين، وهي التي دعمها كل من الإدارة والموظفين التقنيين والعاملين في الاتحاد (IFOU) على أرض الواقع. ولو كان قد تم توقيع هذه العقود في حزيران/ يونيو 2008، فإن الشركات ستكون قد بدأت في العمل الآن.
لم يكن قرار الوزارة إلغاء مخطط العقود سليماً، وهذا الخطأ أدى إلى معاناة الصناعة والاقتصاد على حد سواء. إنّ عقود السنتين القصيرة الأجل لم تكن لتكلف أكثر من 3.0 بلايين دولار، وأدّت إلى زياد الانتاج في أقل من سنتين بمقدار 0.5 مليون برميل يومياً ولرفعه الانتاج الحالي من 2.5 إلى 3.0 ملايين برميل يومياً، وكان هذا سيؤدي إلى تحسن القدرة الانتاجية لشركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب في المستقبل ما كان سيؤدي إلى إنتاج المزيد من النفط ومن دون أن يعرض مستقبل شركة النفط الوطنية العراقية للأضرار
7 ــ إنّ فشل وزارة النفط في النجاح في 7 من المناقصات الـ 8 التي كانت مطروحة في جولة التراخيص الأولى قد أوجد مستقبلاً أكثر أملاً لإبقاء شركة نفط الشمال، وشركة نفط الجنوب وشركة النفط الوطنية العراقية. فإذا أقدمت وزارة النفط على سحب الحقول السبعة للنفط والغاز من أية عطاءات في المستقبل، وأعادتها إلى شركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب لتطويرها، فإن مثل هذه الخطوة ستساعد هاتين الشركتين الوطنيتين على النمو، وكذلك ستدعم شركة النفط الوطنية حيث ستعطيها فرصة أفضل للتطور الحقيقي عندما تتم إعادة إنشائها.
8 ــ إن هذه الدراسة لن تشمل جولة التراخيص الثانية التي أعلنت في 31 تشرين الثاني 2009 حيث هذه الجولة تختلف نوعياً عن الأولى، ما سيتطلب تحليلاً منفصلاً. إنّ الجولة الثانية تشمل تنفيذ التنمية الكاملة لعشرة حقول نفطية مكتشفة ولكن لم يتم تطويرها بشكل تام، وتتوزع هذه الحقول على نطاق واسع في جميع أنحاء البلاد، والتي تشمل حقل مجنون، غرب القرنة المرحلة 2، حلفايا، بدرة، شرق بغداد، حقول نفط وسط الفرات (الكفل، غرب الكفل والمرجان)، وحقول النفط في محافظة ديالى (القمر، كلبات، نيدومان، خشم الأحمر)، والنجمة والكيارة في الشمال. ومن المقرر أن تمنح عقود التراخيص للجولة الثانية بحلول نهاية هذا العام.
9 ــ لقد أصبح من الواضح أن مشروع قانون النفط والغاز لن يصبح قانوناً خلال عمر هذا البرلمان. إنّ الصراعات الداخلية العراقية، التي أدّت إلى توقف أي تقدم لتمرير القانون من خلال البرلمان الاتحادي منذ صدور أول مشروع لقانون النفط والغاز الذي ظهر منذ أكثر من ثلاث سنوات، لم تتغير.
إنّ محاولات الحكومة الفدرالية لتمرير قانون النفط والغاز، الذي سيؤدي إلى خصخصة معظم أقسام صناعة النفط والغاز الوطنية، والتفاوض مع حكومة إقليم كردستان من أجل الاتفاق على حل وسط لشكل القانون الذي يمكن أن يكون مقبولاً لكلا الجانبين ويمكن أن يعرض على البرلمان الاتحادي، لم تنجح حتى هذا التاريخ.
10 ــ من أهم أهداف نائب الرئيس الأميركي بايدن في آخر زيارة له إلى العراق وضع ثقل إدارته الجديدة وراء الضغط على الحكومة العراقية من أجل تمرير قانون النفط والغاز في مجلس النواب الفدرالي وذلك باستخدام أساليب تهديد مماثلة للتي كانت تستخدمها الإدارة السابقة لبوش/ تشيني. (2)
11 ــ أصبح من الواضح أن إعادة إحياء شركة النفط الوطنية العراقية التي تأسست في منتصف عام 1960 بعد قانون 80 لسنة 1961 الذي حرر 99.9٪ من الأراضي العراقية من سيطرة شركات النفط الدولية والذي كان العمود الفقري لصناعات النفط والغاز الوطنية، لن يرى الضوء خلال فترة هذا البرلمان. وسبب هذا الفشل يرجع إلى الخطوات التكتيكية العقيمة للحكومة المركزية في بغداد لعرض قانون إعادة «شركة النفط الوطنية العراقية» على البرلمان الاتحادي كجزء من رزمة تشمل أيضاً «قانون النفط والغاز الجديد» و«قانون اقتسام عائدات النفط» و«القوانين الجديده لوزارة النفط».
12 ــ من المرجح جداً أن الدافع وراء الموقف الأخير لوزير النفط وإصراره على أن شركة النفط البريطانية BP وشركة النفط الوطنية الصينية CNOC لن يدفع لها أكثر من 2 دولار لكل برميل إضافي من النفط الذي سينتج من حقل الرميلة، هو المعارضة الواسعة النطاق لجولة التراخيص الأولى من قبل معظم العاملين في شركة نفط الجنوب، ومن بينها نقابة عمال النفط IFOU، وعموم العراقيين وبعض أعضاء البرلمان.
13 ــ إذا كان السيد وزير النفط الاتحادي قد غيّر حقاً وجهات نظره حول مستقبل صناعة البترول والغاز، وبدأ يرغب حالياً في الحفاظ على الصناعات النفطية والغازية كثروة وطنية لجميع العراقيين، كما يعتقد بعض خبراء النفط في العراق، فما عليه لكي يثبت ذلك إلا أن يقوم أولاً بسحب خطته الاستراتيجية لخصخصة هذه الموارد، أي أن يسحب مشروع قانون النفط والغاز. كما ينبغي عليه التخلي عن الاتفاق المعقود مع شركة «شل» الذي أعطاها 25 عاماً من السيطرة الكاملة على الثروات العملاقة للغاز في جنوب البلاد، وهي الاتفاقية التي أعطت السيطرة الحقيقية لثروة العراق الغازية إلى شركات النفط العالمية IOCS، وكذلك العمل بصدق على إعادة تأسيس شركة النفط الوطنية.
إن مثل هده الخطوات إن تمت ستشير بما لن يدع أي مجال للشك إلى أن السيد الوزير قد غير حقاً وجهة نظره، إذ لا الخطب المتناقضة ولا المقالات والمقابلات التلفزيونية يمكن أن تثبت خلاف ذلك.(3)
14 ــ إن عقود الخدمات الفنية TSC لجولة التراخيص الأولى لا ينبغي النظر إليها بحد ذاتها باعتبارها تدابير مباشرة للخصخصة. ومع ذلك، فإن الخطر منها هو أنها تمثل خطوة مدمرة للغاية، حيث ستؤدي إلى تفكيك الصناعات الوطنية للنفط والغاز وإلى ضياع الـ 40 عاماً من الخبرة الماضية. وبالتالي، فمع مرور الوقت، سوف تدفع العراقيين إلى الاعتماد الكلي في المستقبل على شركات النفط الاحتكارية العالميه IOCS، وستترك الحكومة العراقية في موقع لا مخرج لها منه غير القيام بالخصخصة الكاملة لقطاعات النفط والغاز الوطنية.
من هو ثامر الغضبان؟
ثامر غضبان هو أحد خبراء النفط العراقيين التكنوقراط، والذي يبقى دائماً على أهبة الاستعداد لخدمة رؤسائه السياسيين. أصبح من المعروفين جيداً لدى شركات النفط العالمية، ومجاميع الضغط الغربية المؤيدة لها منذ بدء الاحتلال الأميركي للعراق. كان عضواً في حزب البعث وكان يعمل بجد كبير داخل وزارة النفط منذ ظهور سياسات الخصخصة التي بدأها نظام البعث، مع تفكيك شركة النفط الوطنية العراقية في عام 1987، والذي تبعه التوقيع على عدة عقود للمشاركة في الانتاج مع الشركات الأجنبية في أعوام 1997 ــ 2000. ثم أصبح واحداً من أوائل الفنيين والخبراء العراقيين الذين قدموا خبراتهم للاحتلال «ومجلس الحكم».
بعدها، تمّ تعيينه وزيراً للنفط من قبل مجلس الحكم في حكومه أياد علاوي، وعمل مع حكومة علاوي لإضفاء الصفة السرية لتسليم ثروات العراق من النفط والغاز والموارد الطبيعية للشركات العالمية وخاصة شركات النفط الأميركية.
ثم تم اختياره واحداً من ثلاثة خبراء نفطيين في العراق للعمل على المشروع الأول لقانون النفط والغاز، لكنه كان العضو الوحيد في الفريق الذي واصل دعمه للمسودة الأولى من مشروع القانون بعدما تخلّى العضوان الآخران في الفريق عن ارتباطهما بها. لقد كان صريحاً جداً في أن يعترف بأنه سيكون جاهزاً للعمل مع أي من رؤسائه السياسيين لتنفيذ سياسات الخصخصة (مقابلة مع ثامر الغضبان، النفط العراقي للمنتدى، 6 أيار/ مايو 2009). وأصبح من المشاركين في معظم الجلسات العلنية والسرية بين شركات النفط الاحتكارية والحكومة العراقية ووزارة النفط بعد تعيينه رئيساً للجنة الاستشارات النفطية في مكتب مجلس الوزراء (PMOAC).
--------------------------------------------------------------------------------
1 ــ ربى الحصري، جولة منح التراخيص الأولى ــ Factbox النفط العراقي للمنتدى، 1 حزيران/ يونيو 2009
2 ــ باتريك كوكبورن، «من المسيطر على نفط العراق؟» Counterpunch ، 19 ــ 21 حزيران/ يونيو 2009
3 ــ بيان من نقابة عمال النفط العراقيه IFOU
4 ــ فياض حسن نعمة، رسالة إلى وزير النفط العراقي التي قدمها المدير العام لشركة نفط الجنوب. دراسة الحالة الاقتصادية في الشرق الأوسط، المجلد 52، 25 و22 حزيران 2009
نفط العراقي ، 20 أيار/ مايو 2009
6 ــ السيد حمزة الجواهري، في تحليل بالعربية
7 ــ منير الجلبي «آراء حول مستقبل موارد النفط والغاز العراقية» ZNet ، 21 آذار/ مارس 2009
8 ــ منير الجلبي « تعليقات سياسية على مشروع قانون النفط العراقي» ZNet، 15 آذار/ مارس 2007
9 ــ فيسر ريدر «جولة التراخيص الأولى تنهض من على الأرض: سياسة النفط في العراق» www.historiae.org ، 28 حزيران/ يونيو 2009
10 ــ جريج موتيت «النفط العراقي جولات العطاءات النفطية ــ التنمية أو الاستقرار؟» دراسة الحالة الاقتصادية في الشرق الأوسط، المجلد 52، 19 و11 أيار/ مايو عام 2009
1ــ بن لاندو: «بين العراق وشركة شل للغاز احتكار الشركة»
2 ــ منير الجلبي «ماذا يؤخر إنجاز قانون النفط العراقي الذي طال انتظاره؟» ZNet، 22 آب/ اغسطس 2007.
3 ــ الدكتور حسين الشهرستاني «تنمية قدرات العراق النفطية»، دراسة الحالة الاقتصادية في الشرق الأوسط، المجلد 52، نيسان/ أبريل 2009.
* مهندس ومحلل سياسي
ونفطي عراقي مقيم في بريطانيا