Home Page > إبداع

Thu, 10 Sep 2009 03:55:00

عالم الدراما في إبداع تيسير سبول.. تحريض المتلقي وتوريطه ..

نزيه أبو نضال ـ حالت ظروف تواجدي خارج الوطن، قرابة الربع قرن، من منتصف الستينيات إلى أوائل التسعينيات، دون اللقاء بتيسير سبول، سوى مرتين، لدى مروري العابر بعمان في العام 1969: الأولى في مقهى صغير بشارع السلط، أظن اسمه فينا ، والثانية في بيته بالمحطة، برفقة الصديقين هشام هنيدي وهشام يانس.. الآن بعد حوالي أربعين عاماً ألاحظ: كانا لقائين عابرين ولكنهما كانا بالنسبة لي شديدي الحميمية والنفاذ والحضور، وأظن تيسير، بحكم ارتباطه العميق بالقضية الوطنية الفلسطينية، كان بدوره شديد الاهتمام بتجربتي والتي كان قد نقلها له الصديقان هنيدي ويانس، وقد كنا نسكن معا في القاهرة، قبل أن أغادرها في السنة الجامعية الأخيرة، للالتحاق بالمقاومة المسلحة.

ولم يكن ذلك مجرد لقاء أول، فقد جمعنا قبل ان نلتقي أصدقاء مشتركون، في القاهرة، مثل رسمي أبو علي، ممن أوصلوا لي حضوره الإنساني، عبر حكاياتهم وذكرياتهم معه في عمان. ثم بعد ذلك بسنوات، وكان تيسير قد رحل، عبر الشاعر الراحل خليل خوري في بغداد، وأسرار وذكريات طويلة عن الزمن الدمشقي، لم يحن الأوان بعد للحديث عنها.

عدا ذلك كانت متابعتي لتيسير من خلال ابداعه الذي صدر في بيروت: ديوان أحزان صحراوية ، ورواية أنت منذ اليوم ، عن دار النهار، 1968. ثم الأعمال الكاملة لتيسير سبول، التي أعدها مع التقديم سليمان الأزرعي، وصدرت عن دار ابن رشد، بيروت، 1980.

أما على مستوى الدراما فقد اقتربت من عالمه الدرامي في مناسبات عدة: الأولى حين حولت قصته القصيرة صياح الديك إلى دراما إذاعية وبثت في 25/12/1997، في برناج حكايات أردنية ، والثانية حين تناولت روايته أنت منذ اليوم ، بما يشبه الدراما، باللغة الانجليزية (سكربت)، في برنامج كتب وكتاب ، من إذاعة عمان الأجنبية، وبثت في 26/4/1999، والثالثة حين قدمت شخصية عربي ، بطل روايته أنت منذ اليوم، كدراما إذاعية، في برنامج شخصيات روائية ، وبثت في 7/6/2001.

عند الحديث عن عالم الدراما في ابداع سبول سنجد أن اسهامه المباشر واليتيم اقتصر على عمل أسماه سيناريو تلفزيوني بعنوان الله يرحمهم ، تناول فيه مجزرة كفر قاسم، والمحاكمة المهزلة للضباط الصهاينة، ويمكن أن يشكل مادة فيلم تسجيلي بامتياز. في هذه الدراما استفاد تيسير سبول، خلال عملية المحاكمة، إلى أقصى حد من تكنيك السينما في القطع والفلاش باك والمونتاج كي يوظفها في تصوير بشاعة الجريمة من جهة، ومن جهة أخرى في كشف الحقد الصهيوني الأسود الذي يستبيح دم العربي، ليصنع منه فطير صهيون، ويقدمه في طقس الرعب لدراكولات اليهود المتعطشين للدم. وعبر صور الجريمة والمحاكمة يلعب سبول مع محامي الدفاع دور الشاهد الذي يقدم للمحكمة مستمسكات الجريمة.. لكن المحكمة الصهيونية بلا ميزان للعدل.. ثمة فقط دم الأغيار المستباح! الكثير من الدم.

كانت الدراما حاضرة بوضوح في السيناريو التلفزيوني الله يرحمهم ونسبياً في قصتيه القصيرتين اللتين اتخذتا الشكل التقليدي وهما صياح الديك و هندي احمر ، وقد قمت بسهولة بتحويل قصته صياح الديك إلى دراما إذاعية، رغم تجاوزها الجريء للسائد من الأعراف والمفاهيم.. مما يعني أن المبدع الحقيقي يستطيع قول كل ما يريد باجتراح العديد من الأساليب والترميزات الخفية التي لا تخفى، حتى على المتلقي العادي، بمجرد قليل من الانتباه.

ولكنني لن أتوقف عند سيناريو الله يرحمهم التلفزيوني ولا عند دراما صياح الديك الإذاعية، بل سأتوقف للحديث عن جوانب الدراما في روايته أنت منذ اليوم التي تبدو للوهلة الأولى أبعد ما تكون عن الدراما: ذلك أن الرواية، كانت تبدو ذات بنية فنية شديدة التشظي، وتقوم على تفجير لغة السرد المعتاد وشكله الكلاسيكي، بل لعلها كانت من بواكير روايات الحداثة العربية، إن لم تكن أولها.. وحين كنت أتهيأ لتحويلها إلى دراما إذاعية، شعرت بمدى الصعوبة التي ستواجهني.. ولكن في التطبيق العملي وجدت داخل هذا النص المتناثر خطاً درامياً شديد الوضوح والتماسك، وأن هذا الخط السردي قد توزع على مجموعة فصول ومشاهد وشخصيات وحوارات ليس أسهل من تحويلها إلى عمل درامي، بقليل من عمليات المونتاج، وهكذا كان.

اشتملت رواية أنت منذ اليوم على تسعة فصول تحتوي ثمانية وثمانين مشهداً سردياً، وهذه المشاهد ترد بلا ترقيم، بل يفصل المشهد عن الآخر مجرد فراغ، ويتفاوت عددها في كل فصل، فالأول يتضمن ثلاثة عشر مشهداً، والثاني اثني عشر، والثالث ثلاثة، والرابع ثلاثة وعشرين، والخامس أربعة عشر، والسادس ستة، والسابع تسعة، والثامن سبعة .. فيما الفصل الأخير يتكوّن من مشهد سردي طويل واحد مركب، هو مشهد الهزيمة.

هذه الفصول والمشاهد لا تتلاحق وفق تتابع زمني، أو على قاعدة قانون السببية، كما هو المعتاد في الرواية الكلاسيكية، ونظام السرد فيها لا يتم وفق تواطؤٍ مسبق بين الكاتب والقارئ، بل يترك للتداعيات صياغة الشكل المستحدث الذي كتبه، ولا يستطيع حتى عربي، كما قال، تحديد نوعه الأدبي، بل أكد أنه يكتب شيئاً غامضاً لا يدري ما يسميه.. قال: أكتبه لأنه يزعجني .

في مجمل هذه الفصول والمشاهد المتشظية مكاناً وزماناً، يتجلى البعد الدرامي لدى تيسير سبول عبر أربعة عناصر أساسية:.

1- بناء الصورة المتحركة أو المشهد البصري. كما في مشهد قتل والد عربي للقطة: رأيته من النافذة، واقفاً بباب المطبخ وبيده العصا، ينظر شمالاً من حيث أتت، بيضاء منسابة الخطو، وفمها يتلمظ. خشيت أنها قد تدخل الصالون فقررت أن أخرج. رآني (والدي). انسحب فأشار واضعاً اصبعه أمام فمه وبيده الأخرى أمرني أن أبقى حيث أنا. سمعته يصفق الباب وهناك التقينا الثلاثة ولا مجال للخروج. تلمست الزوايا وهي تموء بخوف، تبعها وضربها.. تدحرج جسدها مرتين ولاذت بالنافذة. وسمعت صوت مخالبها المحتكة بالزجاج، قفزت فضربها وأصاب الرأس فنفر دمها ورش الأرض.. سمعت صوت تنفسها المختلط بسائل الدم، وانتفضت انتفاضات سريعة وسكنت. ظلت عيناها مفتوحتين .

هذا المشهد العنيف من الأب لا يلبث أن يتكرر بضرب عربي، وضرب أمه، وجلد زوجاته بالحزام العريض. وعربي المتماهي مع القطة البيضاء هو كذلك رمز لشعب حوّله الزعماء إلى حشية قش يتدربون على لكمها.

2- بناء الشخصية بمكونها الجسدي والنفسي والذهني. وهنا لا يلجأ تيسير إلى الوصف بل يجعل السلوك، ولغة الحوار، ومفارقات المشهد هي المعبرة عن المكون الجسدي والنفسي للشخصية: كما في مشهد قتل القطة أو ما حدث يوم أقسم يمين الولاء للحزب وصار مكلفاً بإعادة تحرير الأرض وبناء الوطن!! حين وصل البيت كان والده بانتظاره، فثمة نقود فُقدت من البيت:

صرخ ممسكاً برقبتي:

- أين النقود؟

- لا أعرف.

- يا ابن الكلبة، لمن أعطيت النقود؟

- يا أبي والله ما أخذتها.

هوية هائلة من الكف. رأيت شيئاً أحمر.

- يا أبي.

ولم أعد أرى ..

- ما أخذتها والله ما أخذتها.

ثم لم يعد يجثم فوق جسمي، رأيته يضرب أمي وسمعتها تولول فهربت.

في المساء اتضح أن الأمر لا يعدو أن يكون غلطاً في الحساب.

- يا ولد تعال وتعشّ.

- مالي نفس مالي نفس.

والليل يجثم ثقيلا .

على هذا النحو المكثف يصوغ الكاتب/البطل تجارب حياته القاسية ويرسل شحنات متلاحقة تلهب المتلقي بالانحياز إلى جانب الضحايا، والتعاطف معهم ضد سطوة الجلاد: الأب والأخ الأكبر والمحقق والزعيم.

3- الحوار المكثف، كما لاحظناه فيما تقدم، فالحوار كما الصورة هما المكون الأساسي للدراما. وهنا بالضبط تتجلى عناية سبول ككاتب، بلغة الحوار الذي يصل الى مستويات شاعرية شديدة التأثير، وحيث المشهد الحواري لا يكتفي بمجرد إيصال معلومة ما عما جرى، بل هو يرسم من خلال هذا الحوار طبائع الشخصيات وسلوكياتها وخياراتها، كما ينقل أحداثها ووقائعها:.

قال الأديب:

- أخي... الأزمة أزمة ديمقراطية. إسرائيل والاستعمار قضية ثانوية. الأزمة هنا.

ووضع مخللة في فمه.. التهمها بسرعة وشرب للتو جرعة اخرى من العرق:

- ما رأيك، أستاذ عربي؟

كنت مهتما بالبحث عن حبة فستق جيدة،

- بماذا؟

- بحقيقة الأزمة.

كنت أفكر بأن الفستق المخزون طويلا يعفن. وبحثت في رأسي عن جواب فما وجدت. كل الفستق كان معفناً .

سطور قليلة وحوار مبتور ولكنه مليء بالإحالات والدلالات التي تملأ صفحات كاملة!.

4 - الرمز والإحالة، ولقد رأينا، عند الحديث عن الصورة، كيف بنى سبول رمزيا صورة السلطة القمعية من خلال شخصية الأب، وفي المقابل رسم صورة الشعب المستباح دمه، من خلال مشهد قتل القطة البيضاء، ثم الضرب الظالم للابن ثم للأم وللزوجات.

وفي مجال الرمز أيضاً لنتأمل هذا المشهد الحارق: وحكى لهم قصة عصفور صغير دخل عبر بواري الصوبة حتى اسود ريشه تماماً. (كان لاجئاً)، قال عربي ببشاشة حزينة. (وكانت رجله مكسورة. واقترحت أمي أن تشويه لي. فحملته ووضعته على شجرة الكرمة العارية. أتعرفون ما حدث له؟ لقد جرشته قطة بين أسنانها) .

هكذا بكلمات قليلة، يروي سبول مجرد حكاية تبدو عادية تماماً، ولكن لغة الفن وإيحاءاته تجعل العصفور رمزاً للشعب الفلسطيني اللاجئ الذي تجرشه المنافي وأنياب الجلادين والحكام.

إن كل تلك المكونات والعناصر والمفردات التي تشكل عالم سبول الروائي، ويحرص على الانتباه لها بشفافية شعرية عالية تسهم في بناء المشهد الدرامي باعتباره لحظة صراع، ولكن من دون ضجيج او خطب، بل في الإيغال عميقاً في كشف المتناقضات داخل عناصر المشهد، بل وفي دواخل الشخصية نفسها.. فتيسير عدو الشخصيات النمطية المنجزة والموزعة بين الخير والشر.. ذلك أنه يشتغل على المركب والملتبس والمتغير مما يجعل اللحظة الدرامية مفتوحة على شتى الاحتمالات والتأويلات، ولكن في خلفية المشهد ثمة ما يؤشر حكماً لاتجاه السهم لتجاوز هذا الواقع إلى الأمام، ولا شك ان من شأن ذلك كله أن يجعل الخطاب أو الهدف في ذهن المرسل/ الكاتب شديد التوهج.. وبما يؤدي في النهاية إلى تحريض المتلقي وتوريطه، فتيسير لا يذهب إلى الابداع لمجرد أن يتنفس أو يبدع، بل من أجل أن يقوم سحر الفن، بوظيفته في التأثير والتغيير

 

 
 

جميع الحقوق محفوظة "

لا مانع من الاقتباس واعادة النشرشريطة ذكر المصدر