أصبح للبطريرك كيريل الحق في مراجعة واقتراح تغييرات على أي قانون يحظى باهتمام الكنيسة، قبل مراجعة مجلس الدوما، وذلك بموجب اتفاقية وقعت مؤخراً مع حزب «روسيا الموحدة» الحاكم.
عندما زار البطريرك كيريل أكبر حوض لبناء السفن في روسيا في أواخر آب الماضي، كان في استقباله حرس الشرف العسكري. وبينما كانت الفرقة الموسيقية في الاسطول الشمالي في سفيرودفينسك، تعزف، مشى زعيم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بين البحارة في زيهم العسكري، على متن غواصة نووية.
قال البطريرك إن قدرات الدفاع الروسية بحاجة الى ان تكون معززة من قبل القيم المسيحية الارثوذكسية. وتوجه كيريل الى عمال سفيرودفينسك قائلاً «لا يجدر بكم أن تخجلوا من الذهاب الى الكنيسة وان تعلّموا أولادكم الإيمان الأرثوذكسي.. يتعيّن علينا ان نملك شيئاً آخر لندافع به، الى جانب صواريخنا».
تعليقات كيريل التي تربط الإيمان المسيحي المقدّس، بالعلمانية النووية، أثارت الدهشة، لا سيما بين الأقليات الدينية الروسية. وهذا الحدث، كما يرى محللون، هو بمثابة إشارة تدلّ على تنامي المكانة السياسية للبطريرك.
يقول الأستاذ المساعد في الدراسات الدينية في جامعة «روسيا للعلوم الإنسانية» في موسكو بوريس فاليكوف، إن «البطريرك كيريل نشيط جداً ويرى نفسه ليس فقط كشخصية دينية، بل يمكن ان يؤدي أيضاً دوراً في الشؤون العلمانية ايضاً». ويضيف «لقد شارك بنشاط في شؤون الكنيسة منذ توليه الحكم، وهو يبحث في موازاة ذلك عن دوره الخاص في السياسة الروسية».
ويرى المحللون ان علاقة كيريل بالسلطات الروسية العلمانية، تشبه «الرقصة المعقدة» التي تجري في سياق عصور من العلاقات المغلقة، والمتأزمة في أحيان كثيرة، بما فيها عقود كانت خلالها الكنيسة مقموعة في ظل الحكم السوفياتي.
ويقول فاليكوف إن كيريل يسعى لتحقيق توازن صعب في علاقاته مع الدولة، فيما يعمل على تطوير دوره السياسي. ويوضح فاليكوف ان كيريل «يبحث عن لغة مشتركة مع السلطات العلمانية، لكن في الوقت ذاته يدرك ان الكنيسة يجب ألا تفقد الحكم الذاتي، وألا تصبح أداة مطيعة في يد الكرملين». ويتابع، «ومع ذلك، تتطابق المصالح في أحيان عديدة، لأن الكنيسة بحاجة الى الكثير من الدولة، والدولة تعطي الكثير للكنيسة».
أداة القوة الناعمة
بدا دور كيريل السياسي، واضحاً خلال زيارته الاخيرة الى أوكرانيا، حيث سعى الى توحيد المسيحيين الأرثوذكس، المنشقين بين موالين للبطريركية الروسية، وآخرين يتبعون الكنيسة الأوكرانية الارثوذكسية المستقلة.
ورأى العديد من المراقبين في زيارة كيريل الى اوكرانيا، خلفية سياسية، في وقت كانت موسكو منخرطة في نزاع قاس مع الحكومة الموالية للغرب في كييف، علماً انها جرت بعد وقت قصير من زيارة نائب الرئيس الاميركي جو بايدن الى اوكرانيا.
ناشد كيريل الأوكرانيين، في خطاب متلفز في 28 تموز، بعدم التضحية بالقيم المسيحية الارثوذكسية المشتركة مع روسيا خلال سعيهم لتوثيق العلاقات مع أوروبا، في إشارة واضحة إلى جهود كييف للانضمام الى حلف شمال الاطلسي والاتحاد الأوروبي.
من جهته، قال الأب ايهور ياتسيف، وهو السكرتير الصحافي لرئاسة الكنيسة الكاثوليكية الأوكرانية اليونانية، إن «كيريل بدا كسياسي من روسيا.. يريد إنشاء دائرة نفوذ له في أوكرانيا». وأضاف ان «الزيارة لم تكن رعوية فقط. كانت سياسية. بعد تصريحات كيريل حول الشعبين الشقيقين اللذين لا يمكن تقسيمهما، على المرء ان يتساءل عما إذا كان يدرك هو ان اوكرانيا اليوم، بلد مستقل».
يعتقد فاليكوف وغيره من المراقبين، أن كيريل يملك برنامجه الديني الخاص في اوكرانيا توحيد المؤمنين الأرثوذكس لكن ذلك يتطابق مع المصالح العلمانية للكرملين، في الدرجة الاولى، وهي، بشكل خاص، إعادة اوكرانيا الى دائرة نفوذها.
ويقول فاليكوف، إن «زيارته الى اوكرانيا هي مثال على عمل سياسة الكنيسة لمصلحة الدولة الروسية»، مضيفاً «لا أعتقد انه سمح لنفسه باستخدامه كأداة (للدولة)، لكنه كان يؤدي دوراً مستقلاً به. في هذه الحالة، مصالحه كمسؤول كنيسة تتداخل مع مصالح الدولة».
وفي تعليق نشر مؤخراً في صحيفة «موسكو تايمز»، وصف رئيس تحرير مجلة «روسيا إن غلوبال أفيرز»، فيودور لوكيانوف، كيريل، بأنه «شخصية عامة جديدة في روسيا تفوق مهاراته الدبلوماسية ووزنه السياسي هؤلاء في السلطات العلمانية». وأضاف إن قدرة كيريل على مزج «اللباقة واللطف بثبات المواقف الإيديولوجية، مثال على «سلطة اللادولة الناعمة، التي لطالما تعرضت موسكو للانتقاد بسبب افتقارها لها».
إن هجوماً ناعماً مشابهاً سيظهر في وقت لاحق هذا العام، عندما يزور كيريل جورجيا، البلد الذي دخل في حرب مريرة مع روسيا في صيف العام 2008 على مدى خمسة أيام، وتسعى للانضمام الى «الناتو»، ويسكنها ايضاً عدد كبير من المسيحيين الأرثوذكس.
هناك أدلة على أن اهتمامات كيريل تتخطى المساحة السوفياتية السابقة. فقد ذكرت وكالة «انترفاكس» في 2 أيلول الحالي، إن كيريل يدعم فكرة فوز اتنية الروس في انتخابات الهيئات التشريعية في الاتحاد الأوروبي. وبعد اجتماعه مع رئيسة التحالف الأوروبي الروسي والعضو في البرلمان الأوروبي من لاتفيا، تاتيانا زدانوك، قال كيريل إنه يعلّق «أهمية كبرى على تعاون الكنيسة الارثوذكسية الروسية والقوى السياسية في أوروبا، والعمل جار بنشاط في هذا الاتجاه».
دائرة النفوذ
يعتبر محللون ان دور كيريل السياسي، هو أكبر من مجرد كونه سلاحاً في ترسانة الكرملين الناعمة. غير أن هؤلاء يشيرون الى ان نفوذ كيريل لا يمتد الى القضايا كافة التي تطرح امام الهيئة التشريعية، رغم ان نفوذه قوي جداً في بعض المجالات.
ويقول الباحث في القضايا الدينية في مركز «الدراسات الشرقية الاوروبية» في جامعة بريمن في ألمانيا، نيكولا ميتروخين، إن كيريل «شخص لديه نفوذ على مجالات محدودة، في التعليم والثقافة والروحانية، ليس أكثر من ذلك».
وكان كيريل أوضح في وقت سابق أنه يعتزم ممارسة نفوذه لإبقاء الثقافة الجنسية خارج المدارس الروسية. ويسعى البطريرك الى نشر تعليم الثقافة المسيحية الارثوذكسية في المدارس الروسية العامة، ووضع قسيس في الوحدات العسكرية.
في المقابل، كانت لكيريل خلافات مع الكرملين، حيث ان جيل الكهنة الموجودين حالياً في البطريركية في موسكو، والذين تتراوح أعمارهم بين 35 و40 عاماً، هم ضد الستالينية. ويقول رئيس الاساقفة هيلاريون، الذي يرأس إدارة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو وهو مقرّب جداً من كيريل «كانوا متأثرين جداً بحقبة الإصلاحات (ميخائيل غورباتشيف) ضد حقبة ستالين».
الى حد ما، يضع هذا الأمر بطريركية موسكو في خلاف مع بعض العناصر في الكرملين، الذين كانوا يسعون الى إعادة تأهيل بعض أوجه الستالينية، كجزء من ايديولوجة روسية قومية جديدة.
تاريخ مضطرب
تغير النفوذ السياسي لبطاركة الكنيسة الارثوذكسية بشكل كبير على مرّ القرون. قدّمت الكنيسة عنصراً أساسياً من عقيدة «الارثوذكسية، الأوتوقراطية، والقومية» التي هيمنت على روسيا في ظل حكم سلالة رومانوف.
ومع بروز صورة كيريل، كانت هناك بعض التكهنات في وسائل الإعلام الروسية حول أن الحكم الثنائي للرئيس ديميتري ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين، قد يصبح ثلاثياً. ويرفض بعض المحللين مثل هذه التكهنات باعتبارها غير واقعية، لكنهم يرجحون مع ذلك، ان يتنامى نفوذ كيريل.
ويشرح فاليكوف «لن يتحول النفوذ الى ثلاثي. لكن من الواضح ان كيريل يطمح الى تفعيل دور الكنيسة، ليس فقط في المجتمع، بل في السياسة أيضاً. يمكننا ان نرى ذلك في الأشهر الاولى من ولايته الكنسية».
(عن معهد «شبكة العلاقات الدولية والأمنية»)